جماعة الإخوان المسلمين الليبية

1٬832

مركز السلام والتنمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

البداية والنشأة في ليبيا

لعل العديد من الناس يعتقدون أن انتشار جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا هو حديث العهد ويرجع الي القرن الماضي من الزمن ، ولكن الحقيقة أن تداخل الجغرافيا الليبية المصرية وانتشار التنقل بين البلدين منذ ثلاثينيات القرن الماضي،جعل فكر الإخوان المسلمين يغزو ليبيا من أوائل الدول العربية ، حين انتقل فكر الإخوان ومعتقداتهم مع الطلبة الليبين الموفدين للدراسة في مصر وأيضا مع بعض المعلمين والعاملين المصريين الذين انتقلوا الي العمل في ليبيا .

الفرار الى ليبيا

في خمسينيات القرن الماضي وأثناء أول حظر لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ابان الحكم الملكي في مصر فر عددا كبيرا من القيادات الاخوانية الي ليبيا طلبا للأمان،اضافة الي رغبتهم في خلق ملاذ آمن للجماعات الاخوانية المُطاردة من البوليس السياسي في ذلك الوقت لتورطهم في جرائم ارهابية داخل الأراضي المصرية .

وقد نجحت تلك القيادات في تجميع شعبية وخلق حاضنة لهم في بعض المدن الليبية الكبري مثل طرابلس وبنغازي،وخصوصا أن تلك الجماعات كانت تنادي بشعارات تجذب عوام الناس وتذاعب مشاعرهم الدينية والقومية مثل الحرية والإستقلال والشريعة الإسلامية واحياء دور الأمة الاسلامية واعادة الفتوحات الإسلامية تزامنا مع احتلال فلسطين من قبل اليهود وفشل القوات العربية في استعادتها .

تشكلت أول خلية ليبية للاخوان المسلمين في ليبيا بتاريخ 05 اكتوبر 1954 وأصبحت تمارس عملها وأنشطتها بشكل علني،في شتي المجالات الفكرية والسياسية .

أول جريمة اغتيال سياسي في ليبيا من الاخوان المسلمين

المعتقدات والافكار التي تتبناها جماعة الاخوان لا تخلوا من العنف وتدعو لممارسته تحت عدة ذرائع ومصوغات ظاهرها ايماني ديني وباطنها سياسي اجرامي،ونفذت أول عملية اغتيال سياسي من قبل جماعة الإخوان المسلمين في  ليبيا في العام 1954 حيث قام ابن عم الملك ادريس السنوسي، والذي قيل انه كان معتنق للفكر الاخواني وينتمي لجماعة الإخوان المسلمين الشريف محي الدين السنوسي بقتل ناظر الخاصة الملكية ابراهيم الشلحي الشخصية المقربة جداً من الملك ادريس السنوسي منذ العام 1913 وذلك لمخالفة القتيل لفكر الجماعة واستمرار تحذير الملك من أعمالهم في ليبيا .

لم تمر عملية الاغتيال بهدوء وسلام وكانت لها عواقب وخيمة علي جماعة الاخوان الليبية،حيث أصدر الملك ادريس مرسوم ملكيا يحظر عمل جماعة الاخوان المسلمين في ليبيا ومنعهم من ممارسة أية أنشطة سياسية أو فكرية أو اجتماعات دعوية أو تعبوية،كما حظر علي الأسرة السنوسية العمل في السياسة أو تولي المناصب السياسية في البلاد  .

إلا أن الجماعة الليبية استمرت في نشاطها العلني وقامت باصدار العديد من المطبوعات وعقدت العديد من الاجتماعات السياسية والدينية،وازدات وتيرة النشاط التنظيمي للجماعة الليبية المصرية وازدات توسعا وانتشارا،وأصبحت ليبيا الملاذ الآمن لجماعة الاخوان المسلمين المصرية لفترة زادت عن العشرين سنة ( 1949-1969) ونجحت في جعل ليبيا الخط الدفاعي الأول للجماعة المصرية .

وقد حاول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في العديد من المناسبات مطالبة الحكومة الليبية بتسليم العناصر المطلوبة والتي عليها احكام قضائية من ليبيا ، إلا أن الملك ادريس كان يرفض في كل مرة بحجة ان الدستور الليبي يمنع تسليم اللاجئين السياسيين .

 مع بداية الستينات ركزت شخصياتٌ بارزة من جماعة الإخوان في ليبيا على عملية البحث في إمكانيّة إنشاء تنظيمٍ يجمع أكبر عدد من الأشخاص المقتنعين بأفكارهم، حتى انتهت المشاورات والاتّصالات إلى عقد سلسلة من الاجتماعات في شقة محمد رمضان هويسة، القيادي الإخواني البارز في منطقة زاوية الدهمائي في طرابلس، وكان هويسة من أسرة معروفة، لها مكانتها الاجتماعيّة ويعمل في التجارة والمقاولات،وانتمى إلى الإخوان منذ كان طالبًا في الثانوية، كان شديد الحماسة للجماعة، فلم يخفِ انتماءه إليها، خاصة عندما كان يدرس بجامعة بنغازي، وانتهت سلسلة الاجتماعات تلك، إلى الاتّفاق على تأسيس تنظيم للإخوان في طرابلس، تولى الشيخ فتح الله محمد أحواس “الذي كان يعرف بالشّيخ فاتح أحواس رئاسة التنظيم، ومحمد رمضان هويسة مسئولًا للعلاقات الخارجيّة، ومحمود محمّد النّاكوع لشئون التّنظيم، وعمرو خليفة النّامي عن النّشاط الجامعيّ، ومختار ناصف للشّؤون المالية ولاقت المجموعة قبولًا كبيرًا من قبل الأعضاء، وبدأت ممارسة عملها وإصدار أي مواثيق أو بيانات أو اجتماعات في سرية تامة.

في الوقت نفسه كان إخوان بنغازي الذين انطلقت منهم جماعة الإخوان، لهم تنظيم مقابل لتنظيم طرابلس، ومن قيادات بنغازي: عبد الكريم الجهاني، إدريس ماضي، مصطفى الجهاني، محمد الصلابي، صالح الغول و بشير الكبتي الذي تولى لاحقا منصب المراقب العام لإخوان ليبيا وآخرون.

قام الطرفان بتبادل العلاقات فيما بينهما عن طريق أحد الأعضاء،ونقل الأخبار والأنشطة أيضا في سرية تامة، وذلك في إطار الحرية التامة التي تركها الملك إدريس لهم، حيث بدأوا في إلقاء الخطب ونشر أفكارهم،وكذا نشر الثقافة في صورة توعية عن التنظيم الإخواني.

ورغم كل هذه الأنشطة التي مارسها أعضاء التنظيم الإخواني في طرابلس وبنغازي في العهد الملكي،إلا أنه طوال الفترة من 1952 وحتى 1969 لم يتم اعتقال أحد منهم على وجه الإطلاق، ولكن كانوا تحت أعين الأجهزة الأمنية،إلى أن توقف النشاط مباشرة عقب قيام انقلاب الفاتح عام 1969، وإعلان الجمهورية الليبية.

عوامل انتشار الإخوان في ليبيا :

شكلت عدة عوامل دافعا رئيسا إلى أنتشار الإخوان في ليبيا يأتي على رأسها:

1- الخطاب السياسي الديني لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا لم يلق صعوبة لدى سكان ليبيا نظرا لطبيعته الوعظية الدينية.

 2- إن أكثر من 98% من سكان ليبيا مسلمون ويتبعون مذهب الإمام مالك وأقلية أمازيغية تعتنق المذهب الاباضي.

3-  إن جماعة الإخوان لم تكن من أهدافهم آنذاك بناء تنظيم سياسي، له برنامجه السرّي للإطاحة بالنظام الملكي في ليبيا.

4- الطبيعة الدعوية التي اتصفت بها الشخصيات الاجتماعية والرموز الوطنية المعروفة الذين انضموا إلى جماعة الإخوان المسلمين هناك، وكانوا يُوصفون بالصفوة الصالحة.

الصدام مع عسكر الفاتح من سبتمبر

مما لا شك فيه ان التقارب بين القذافي وجمال عبد الناصر كان له الأثر الكبير علي جماعة الاخوان المسلمين الليبية والمصرية التي كانت تتخذ من ليبيا ملاذ آمن،وهو الأمر الذي أفسد لهم جميع مخططاتهم،علي الرغم من مشاركتهم في السلطة حتي العام 1973 ، وهو العام الدامي بالنسبة لهم في ليبيا حيث قبض القذافي علي اغلب قادة هذه الجماعة واضطرهم للظهور في الاذعات المرئية للاعلان عن حل جماعة الاخوان المسلمين الليبية ،وتنكرهم لجماعة الاخوان المصرية .

إلا أن نظام القذافي لم يكتفي بذلك بل أنه فرض عليهم رقابة مشددة،كما فرض التضييق علي كافة الجماعات الاسلامية الأخرى لضمان عدم تدخلهم في السياسية،كما فرض علي رجال الدين عدم استخدام الدين في السياسية وضم كافة المساجد لإدارة وزارة الأوقاف لضمان عدم وجود مساجد يمتلكها أفراد وجماعات وتنظيمات .

وسرعان ما ارتد الإخوان إلى التنظيم السري مرة أخرى وعانوا من التهميش والعزلة في عهد القذافي، وكان الخبر الوحيد الذي تم نشره عن الإخوان المسلمين في التليفزيون الرسمي الليبي في منتصف الثمانينيات، عندما عُلقت جثثهم في أعمدة الإضاءة بالشوارع، ووصفوا آنذاك بأنهم زنادقة منحرفون، وهي الواقعة التي هرب بعدها الكثيرون منهم إلى الولايات المتحدة، حيث أصدروا مجلة “المسلم” عام 1982، وحين حاول بعض الأعضاء العودة الى ليبيا لإعادة بناء الجماعة هناك، كان مصيرهم إما السجن أو الإعدام، وكان مصير عديد من قادتها السجن أو المنفى .

وفي عام 1980، عاد الطلاب الليبيون الذين كانوا يدرسون في الخارج ومعهم فكر الإخوان، وأعادوا بناء الجماعة، وظلوا يعملون سرا وأعادوا تشكيل وبناء التنظيم اعتمادا على رؤية سياسية محددة تقوم في جانب منها على أن التغيير لن يأتي إلا من داخل البلاد، لأن النظام ارتبط بحسابات من المصالح مع كثير من الدول الغربية، والتي لا يهمها إلا “استقرار البلد”، لتتمكن من ضمان ضخ البترول إليها، وتحقيق مصالحها الاقتصادية وعملوا على وضع المجتمع الدولي أمام استحقاقات يطالب بها الشعب وهي التخلص من الحكم القذافي وحماية حقوق الإنسان، وإقامة دولة القانون في ليبيا.

تاريخ الأحداث ما بين 1988 و 1990م

بداية الظهور بالعمليات الارهابية الاخوانية حسن عثمان اقطيط، الموظف بقسم المراجعة في مكتبة جامعة قاريونس، وخطيب الجمعة في مسجد السريتيه، يقول أحد طلبة جامعة قاريونس أن الشيخ حسن كان يجمعهم ويعطيهم دروسا دينية ويدعوهم للجهاد في افغانستان ما يعطي لمحة عن توجهاته في ذلك الوقت.

انتهى به ذلك إلى إصدار فتوى بتصفية “احمد مصباح الورفلي” أحد العناصر البارزة في حركة اللجان الثورية في مدينة بنغازي، بناء على طلب من مجموعة “العشبي” حول تصفية “ مصباح” وقد تمت العملية في اغسطس 1986 ميلادي، تمكن النظام عقبها من القبض على كامل المجموعة بمن فيهم الشيخ قطيط ، ثم اعدموا  يوم 17 فبراير 1987 باستثناء الشيخ الذي أودع السجن، وهي نفس المجموعة التي عرفت حينها بمجموعة سياف ليبيا التي قامت بخطف أحد الاسلاميين من مستشفى في بنغازي بعد صدام محدود مع رجال الأمن “تمت، حسب المعلومات، بعد اسبوع واحد من عيد الفطر في آذار مارس  في منطقة البيضاء سيارتين تابعتين لجهاز الأمن رصدتا مجموعة من أربعة شبان في سيارة، تقف بشكل دائم أمام عدد من المنشآت الرسمية، وأن مطاردة تمت الى منطقة البيضاء القريبة  بالجبل الأخضر، ثم حصل صدام مع المجموعة، اعتقل خلاله أحد افرادها وهرب الآخرون، ونقل المعتقل الى السجن وبعد أيام الى مستشفى الجلاء في بنغازي لمعالجته إما من آثار التعذيب وإما من آثار اصابة تعرض لها خلال اطلاق النار لكن المجموعة التي كانت معه نجحت في خطفه من المستشفى بعدما ارتدت ثيابا عسكرية واختفى الجميع منذ ذلك الحين.

وتابع هؤلاء ان العقيد معمر القذافي استاء من ذلك وأمر بأقصاء العميد عمر قويدر من منصبه كمدير للأمن الداخلي واستبدله بعمار الطيف الذي شكل غرفة عمليات ضمت محمد المعداني ومفتاح بوكر وعبدالرحمن العبار وشخص من آل الحبوني، وطلب من المواطنين التعاون مع هذه الغرفة لملاحقة المشتبه فيهم.

ويضيف الليبيون ان المجموعة جزء من تشكيل أصولي، وأن الاشاعات في بنغازي تقول أن أفرادها هربوا الى السودان ويؤكد هؤلاء ان الرواية صحيحة لكنها جرت في آذار الماضي بعد أيام قليلة من عيد الفطر، والدليل أن الضابط في جهاز أمن الدولة السنوسي الوزري ارسل من يسأل عن أفراد المجموعة في مصر في الأشهر الثلاثة الماضية.

ويؤكد قيادي أصولي ليبي أن موضوع المستشفى والمواجهات مع الاسلاميين زوّر تاريخه لاستخدامه سياسياً لخدمة النظام وللتغطية على حملة الاعتقالات الأوسع في تاريخ ليبيا ضد الاسلاميين، والمواجهات المضخمة التي يزعمون انها حصلت في يونيو تقتصر في الحقيقة على عملية واحدة جرت في مطلع يونيو في منطقة الفعاكات وتحديداً قرب منطقة أبو فاخرة 25 كلم غرب بنغازي بين السلطات وستة رجال وسيدة هي زوجة أحدهم ومن قبيلة الشهيبات وكان في حوزة هؤلاء رشاشات وقنابل يدوية.

وقامت أجهزة الأمن بإمرة الرائد الخشمي ابن نجيب الخشمي بمهاجمة المجموعة بمساعدة عناصر من كتيبة الأمن في بنغازي التي يرأسها المقدم عوض السعيطي واسفرت العملية عن مقتل أفراد المجموعة واصابة الرائد الخشمي في صدره ورجليه، وتلت ذلك عمليات دهم واعتقال في البيضاء ودرنة وأم الرزم وطبرق.

ومعلوم أن العقيد معمر القذافي دافع مراراً عن الحركات الاسلامية واعتبر المواجهة بين ليبيا والدول الغربية “جزءاً من معركة الغرب ضد الاسلام” وسببت تصريحاته عن استعداده للتوسط بين الجزائر و”الجبهة الاسلامية للإنقاذ” ردود فعل جزائرية قوية ضده كادت تؤدي الى قطع العلاقات بين البلدين، وأعلنت السلطات الجزائرية انها قصفت بالطيران قافلة عسكرية للإسلاميين آتية من ليبيا، اضافة الى أن طرابلس دعمت النظام الحالي في الخرطوم بقوة وقطعت الاجتماعات التنسيقية بين اللجان المشتركة شوطاً كبيراً في اتجاه خطوات الوحدة بين البلدين.


قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.