تاورغاء القضية الإنسانية حق والمتاجرة السياسية باطل

626

مركز السلام والتنمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

لا يختلف عاقلان في ليبيا أن أهالي وسكان منطقة تاورغاء قد نالهم من العقاب الجماعي والإنتقام الجائر والعنف المفرط ما خالف كل التشريعات السماوية والقوانين الليبية والأعراف الإجتماعية في ليبيا وقد طالت أزمة ومعاناة هؤلاء المواطنين حتى باتت قضية دولية يتم تداولها على طاولة مجلس الأمن ومكاتب رؤساء الدول الكبرى.

نقاط هامة:

قبل الولوج في تحليل وتفكيك عُقد ومتلازمات هذا الملف البسيط والمعقد في نفس الوقت وجب التنويه على عدة نقاط هامة يجب الإلتفات لها تم نخرج بتوصيات عامة لطرفي الخلاف والنزاع للخروج من أزمتهم “لا ضرر ولا ضرار” والنظر للمستقبل والتسييس والتأسيس له:-

1-الاستغلال السياسي:

(أ)-من دول اقليمية وعربية تتدخل في الشأن الداخلي الليبي (الإمارات مثلا) عبر حلفاءها وأدواتها في ليبيا تمول نشاطهم وحراكهم السياسي وإعلامهم (الفضائيات الليبية الاماراتية -النايض ميديا-شمام ميديا – مثلاً) لعرقلة وإفشال أي محاولة لغلق هذا الملف كورقة ضغط على مصراتة الحليف لقطر حسب تصنيفهم ولتيار الإسلام السياسي كجزء من معركة اقليمية كبرى ليبيا أحد ساحاتها محور (قطر – تركيا – السودان) يقابله محور ( السعودية – مصر – الامارات) رغم استغلال المحور الأخير لجزء من الإسلاميين (السلفية) في معركتهم.

(ب)-من أتباع النظام السابق (الخضر) الذين يعتبرون تاورغاء جزء من معركتهم وفرصة يجب استغلالها لإسقاط مصراتة (أيقونة فبراير) عدوهم اللدود التي هزمتهم عسكرياً ويحاولون هزيمتها أو على الأقل نكئها بالجروح سياسيا واجتماعيا وإحداث انقسام وشرخ داخلي يضعف المدينة ويشغلها عنهم لا من أجل دعم القوى الوطنية فيها والتأسيس لمشروع وطني جامع فهذا مجرد شعار خداع يتم استخدامه بمهارة في المشهد الليبي.

(ج)-من الأحزاب السياسية الليبية سواء داخل مصراتة أو خارجها فهذا الملف الانساني الهام لا يرغب أي حزب أو تكتل سياسي ليبي أن يظفر به خصومه وينسب له الحل في تسويته واغلاقه وتعمل جميع الأطراف بنفس المستوى والجهد على حل هذا الملف وعرقلة الآخرين ولا يوجد إلى الآن مشروع وطني جامع ينسب فيه شرف إنهاء هذه المعاناة الإنسانية والجرح الإجتماعي للجميع وكفى الله الليبيين شر القتال.

2-الإستغلال الإجتماعي:

(أ)-العديد من القبائل والمكونات الإجتماعية الليبية المختلفة مع مصراتة قديماً وحديثاً تحاول اقصاءها اجتماعيا عن الحضور القبلي الفاعل وتأليب القبائل ضدهم وتحميلهم المسؤولية الجماعية للعديد من الإنتهاكات الحقيقية والأخطاء الكارثية التي قامت بها زمرة من أهل المدينة أضرت بالمصالح العامة لسكان المدينة البالغ عددهم أكثر من 500ألف مواطن ويتحملون جزء من المسؤولية عن صمتهم وعدم اهتمامهم وجعل اقفال الملفات العالقة شغلهم الشاغل.

(ب)-داخل مصراتة نفسها تحاول العديد من المكونات اقصاء نفسها عن التدخل في هذا الملف فهو شأن لا يعنيهم ولم يصل إليهم ضرر منه وتحاول أطراف أخرى (عائلة عيسى مثلاً) خاصة في بداية الثورة وسقوط النظام أن تحتكر هذا الملف وتحاول استغلاله بشتى الوسائل والطرق “سياساً ومادياً” وتورطت فيه وأفرطت في الإنتقام رغم ما أصابهم من ضرر ففقدوا التعاطف الإجتماعي الليبي وتحولوا من ضحايا إلى جلادين ومطلوبين للعدالة.

(ج)-داخل تاورغاء نفسها ومحاولة بعض مكوناتها ونخبها التحرر من التبعية إلى الأخ الأكبر مصراتة المدينة بكل قوتها وتأثيرها وتشكيل تركيبة اجتماعية جديدة تفرض نفسها لقيادة المرحلة مدعومة بتحالفات داخلية وخارجية (ولن يكتب لها النجاح) فالجغرافيا تفرض أحكامها ولا يمكن أن تُدار تاورغاء من أبوظبي ولا مصراتة من الدوحة.

3-الإستغلال الديني:

(أ)-الخلاف والإختلاف والإنقسام الديني الذي شهدته ليبيا بعد أحداث ثورة فبراير واصطفاف كل مجموعة مع طرف أوجد شرخا دينياً حاداً فجزء تحالف وانضم للثوار ( الإخوان – المقاتلة – وأغلب التيارات الإسلامية) وجزء أثر السكوت ويؤيد النظام بطرق مختلفة إما باعتزاله الأحداث وإما بمشاركته في الألة الاعلامية لنظام القدافي,وحسبت مدن الثورة على تنظيم الاخوان وحسبت مدن النظام على تنظيم السلفية المداخلة,وبعد اعلان معركة الكرامة انضم السلفية إلى الكرامة نكاية في الإخوان وحرباً ضدهم بحسب التعليمات التي أتت اليهم من جهاز المخابرات السعودي عبر وسطاءه (مشايخ الدعوة) وأعلن الاخوان وحلفاءهم عملية فجر ليبيا,واعتبرت من خلال هذه الإنقسامات مدينة مصراتة الثورة مدينة اخوانية يسيطر على القرار فيها تنظيم الإخوان واشتغلت الألة الإعلامية ضدها من هذا المنطلق ونجحوا إلى حد كبير خاصة عبر الدعم الإعلامي الكبير من (الامارات – مصر – السعودية) وتأسيسهم لعديد من القنوات الفضائية والصحف الليبية الإسم والعنوان الخليجية التوجيه والهدف واندلعت حربا اعلامية بين الاخوة وأبناء البلد الواحد أشد شراسة وقدارة من الحرب العسكرية.

(ب)-قام الصوفية في بداية عملية الكرامة بتأييدها لما تعرضوا له من ظلم وتهميش وحرب معلنة ضدهم من دار الإفتاء ومن أصحاب القرار وضعوا آمالهم في عودة حكم الجيش الذي قد يوفر لهم الأمان والحرية كما عهدوها في السابق ولو شكلية ولكن خابت آمالهم وتبددت بعدما شاهدوا حلف السلفية المداخلة مع قادة الكرامة أقوى ونفودهم زاد وتوسع حتى سيطرو على كافة المدن والبلدات التي يسيطر عليها الجيش الليبي التابع لقادة الكرامة وهنا بدأت تركيا تغازلهم ووجهت لهم دعوات للحضور إلى اسطنبول وأنقرة ولقاء المسؤولين الأتراك برعاية الداعية القطر علي الصلابي (من أصل ليبي) وحضوره لعقد صفقة معهم حول الإنتخابات القادمة وكسب أصواتهم في صالحهم أو الحد الأدنى أن لا تكون لخصمهم وأعداءهم ومنحوا بعض شيوخ الصوفية (الفقراء إلى الله) قليل من المال تلاهفوه والتقطوه ووقعوا في فخ السلطة ومصيدة أجهزة المخابرات من حيث لا يشعرون.

(ج)-يُصنف أهل تاورغاء من المحسوبين على الإتجاه الصوفي ولديهم العديد من الزوايا والمراقد والأضرحة (أشهرها أمي عائشة) التي تعرضت للتدمير والقصف الصاروخي من بعض أوباش مصراتة (مسجل صوت وصورة الفيديو) وبسبب التهجير والتشرد والضعف وعدم وجود قطيع للجماعة يوفر لهم الأمان تحاول كافة الأطراف استقطاب الشباب التاورغي ونجح السلفية المداخلة في ذلك ونجحت العديد من الدول الأوربية في اعطاءهم حق اللجوء الانساني ومحاولة برمجتهم والتاثير عليهم وتوجيههم بما يخدم ويحمي مصالحها الطويلة المدى.

التوصيات:-

1-عدم الإنجرار خلف التأجيج الاعلامي بين الطرفين والذي تسعر ناره أطراف لها أغراضها وأهدافها الخاصة وليس أهل تاورغاء إلا ورقة للاستعمال وقد سببت بعض الأحداث الاعلامية (مظاهرات بنغازي مثلا – تصريحات النائب جاب الله مثلا) في تأزيم الوضع وتأخير اغلاق هذا الملف والوصول به إلى الضوء وعبور النفق المظلم الممتد مند 7سنوات.

2-اعتبار أن المشكلة مصراتية بين أبناء المدينة الواحدة “مصراتة” (تاورغاء فرع بلدي وجزء من حدود أرض مصراتة الإدارية تاريخياً ما حسب الحجج والمستندات الى أخر لحظة من عمر نظام القدافي وهي تتبع مصراتة) وعدم السماح لأطراف خارجية من استغلال هذا النزاع في تصفية حساباتهم مع مصراتة المدينة.

3-توحيد مؤسسات تاورغاء والوقوف خلف المجلس المحلي تاورغاء ودعمه في مسيرته العقلائية وخطواته الإيجابية البناءة والمنتجة للحلول وعدم الإنجرار خلف الأجسام الجديدة المتولدة عبر توليد خارجي “اماراتي وغيره” (مجلس حكماء وأعيان تاورغاء مثلا) وبوعي ومعرفة بعض أعضاءه وجهالة الأغلبية يتم توجيههم نحو التصعيد والتشدد مع خطوات التفاهم بدل طي المراحل واغلاق الملفات العالقة تدريجيا.

4-البدء وبالتنسيق مع المجلس البلدي مصراتة في تأسيس واصدار التكليفات للأشخاص المؤهلين من أبناءها للمؤسسات العامة التي سوف تباشر أعمالها داخل نطاق الفرع البلدي تاورغاء ودعوتهم للتشاور والتنسيق ووضع الخطط والبرامج المشتركة كمديرية الأمن وباقي فروع الوزارات والهيئات ووضع خطط اعادة الإعمار وتكليف الشركات الوطنية القادرة على سرعة الإنجاز والمساهمة في تحسين الوضع العام والخدمات العامة داخل تاورغاء وهذه الخطوة يمكن المباشرة فيها من الآن وفوراً دون أي تأخير فهي سوف تسهم في عودة النازحين بشكل أسرع ويتم تجنب معاناتهم داخل ديارهم في نقص الخدمات وسوء الظروف المعيشية.

5-العمل على اعادة تأهيل أهل تاورغاء وتعويض ما فات ابناءهم من تعليم وتوفير العلاج للمرضى داخل مستشفيات مصراتة المدينة الخاصة والعامة وبشكل مجاني (خاصة العلاج النفسي وتأثيرات الحروب على النساء والأطفال) وتوفير فرص العمل لأبناءهم وضمان عدم التعرض لهم واعلان محاسبة أي طرف أو فئة تحاول أن تخالف الإجماع المحلي للمدينة والوطني والمزاج العام الليبي الذي يرغب في انهاء هذه القضية واغلاق هذا الملف.


#فريق_البحث_الإستراتيجي_بالمركز

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.